الدوري الإيطالي

بين ظلام الثقب الموجود ونور أملٍ بِقيود

سائراً في أزقة تلك المدينة ذات التاريخ الكبير التي عبر اسمها مسامع الكاهل والصغير، قاصياً أو داني على أرجاء الكرة، ليس كرته التي تحمل الأكسجين بل التي يعيش عليها، أخذاً نظراته بين الجنّة والجحيم، يميناً إلى المعالم الثابتة رغم كل شيء، وشمالاً صوب من يسيطر على التجارة في عاصمة اقتصاد إيطاليا، وهو يعرف جيداً الأسباب، ماراً بِتورينو التي حالها أفضل ولكن على قادة سيّدتها العجوز أخذ العبر وهي كثيرة في بلد البيتزا، انعكست على ممثّل الجميع (الأزرق).

مكملاً رحلته التي لم يجد في بقيّتها فارقاً شاسعاً بين مدن وطنه ومدينته، خاصةً من ناحية وجود الديربيات المتعددة، عاش في مشواره الحزن أكثر من الأمل بِمستقبلٍ ناصع، ذاك الأمل بل بصيصه الذي وجده في مئتي فنجان، هي حصيلته من القهوة مختلفة المذاق، التي تشترك في الطعم الحقيقي، كلّ رشفة جعلته يشعر بشيء خاص، لم ولن يستطع تفسيره، فمهما حاول النتيجة كانت إجابة كلاسيكية سطحية: (القهوة جزء من الأشياء الجميلة في إيطاليا)، وحتى إن تفنن في الإجابة لن تصل الذروة القريبة من عين الحقيقة.

ماركو أو باولو وربما أندريا، سمّه ما شئت فالجميع يعيش نفس الحكاية مُتزايدة الحلكة بعد اتساع حجم الثقب المتأصل في كرة القدم الإيطاليّة، ليلة سيكودراما السويد تحديداً.

تلوثت كرة القدم في بلاد الكالتشيو بكل الفظائع التي هي نتاجٌ لِلفضائح المتراكمة، سواء فوق أو تحت الطاولة التي ربما كانت بيضاء، هو يعرف كل شيء، ولكن درجة إبداع وتفنن رجال المستطيل شديد الخضرة حينما كان في ريعان شبابه، جعلته لا يُبالي فهو يشاهد النجاحات ويتذوّق الانتصارات ويتوّج بِالبطولات التي هي ذروة الإنجاز الكروي، فمهما كانت أفعال وعقليات الذين يديرون الأمور خارج أرض الملعب، لم يهمه كثيراً؛ لأن النقد والنجاحات تتحقق يجعل اسمه بِالنسبة لِلجميع إنسان كنيته مُتشائم، وصورته بوم أسود.

في 1990، بدأ يتأكد من وجود مشكلة حقيقيّة تنبئ بِكارثة، فَبعد فضيحة المراهنات (توتونيرو) قبل ذلك بِعشر سنوات، والتي أسقطت ميلان ولاتسيو في الدرجة الثانية، جاء الدور على الإخفاق الإداري لِلأتزوري، نهر من المال حصلت عليه إيطاليا نتيجة استضافة كأس العالم آنذاك والتي توّجت به ألمانيا الغربيّة، ولكن هذا النهر لم تتم الاستفادة منه بل أُهدر على ري سوء الإدارة فكان الحصاد كارثة!.

المليارات من عوائد النقل التلفزيوني وغيره، لم يتم إنفاقها على استثمارات طويلة الأمد تكفل استمرار الكرة الإيطالية في القمّة، بل صُرفت على اللاعبين والمدعين العامين وغيرهم، ولم تستفد الأندية من هذه الأموال التي ذهب جزء كبير منها لِإصلاح أخطاء الإداريين واضطرابات العمل.

مرّت عليه السنوات وتقدّم في عمره ولم يرى الإصلاحات الحقيقيّة على صعيد العقلية الإداريّة، مع قضيّة كل فترة تجدد دماء الفساد، منها تلك التي تمت على نطاق ضيّق عام 2001 في مباراة أتالانتا ضد بيستويسي بِكأس إيطاليا، إلى أن جاء عام 2006، حاملاً معه فرحة عارمة وازدياد تدفّق مياه نهر الأزمة الذي لم يلتفت إليه أحد من المسؤولين عن الكرة، بل اكتفوا بِفن التأجيل وعاشوا اللحظة بِعاطفة كَمشجعين لا إداريين، وتجاوزوا ذلك لكن بِطريقة أكثر سوءاً بِإيهام أنفسهم أنهم جزء كبير من النجاح!.

بعد تتويج إيطاليا بِاللقب العالمي الرابع في برلين بِخمسة أيام فقط، تحديداً يوم 14 يوليو 2006، تم الإعلان رسمياً عن عقوبة بعض الأندية المتورّطة في الفضيحة التي سمّيت (كالتشيوبولي)، وحصل يوفنتوس على نصيب الأسد من العقاب؛ لِأن مديره لوتشيانو مودجي هو محور القضيّة المتعلّقة بِترهيب الحُكام، حيث تم تجريد يوفنتوس من لقب دوري الدرجة الأولى، وإسقاطه لِلدرجة الثانية، ويُقال أن كرة القدم الإيطالية تضررت على المستوى القاري بعد عقاب يوفنتوس وبعض الأندية الأخرى بِخصم النقاط منها، ولكن الحقيقة أن العقوبة ليست هي محور المشكلة، بل العقليّة الإدارية البالية اللارياضية.

عقوبة التجريد من اللقب ليست هي الأولى في مدينة تورينو، حيث تم عام 1927 تجريد تورينو من لقبه بِالدوري بعد التلاعب بِالنتائج.

هو يعي جيّداً أن نهاية الثمانينات وبداية التسعينات فترة كان فيها الدوري الإيطالي الأكثر جاذبيةً، ومنتخب إيطاليا هو الأقوى وفي نفس الوقت كانت إيطاليا القوّة الصناعيّة الخامسة في العالم، وأن المقارنة حالياً بين قيمة حقوق الدوري الإنجليزي مثلاً مع الإيطالي قاسية جداً.

لم تصل إنجلترا أو ألمانيا إلى بناء وتطوير الملاعب بِطرق عصريّة وكذلك تطوير قطاع الشباب؛ لِأن المديرين هناك عديموا الأنانيّة، على العكس تماماً ولكنّهم ينظرون لِمصالحهم على المدى الطويل، وأن الفرد عندما يسعد الجماعة تزداد قيمته بِالنسبة لِنفسه ممّا يعطيه الدافع للاستمرار في العطاء، أي أنّها مسألة اختلاف زاوية النظر لِلإنجاز وماهيّته.

ويدرك أنّه بينما في إيطاليا المسؤولين عازمون على التفاخر بِصفحات التاريخ المليئة بِالمجد، يتم في بلدان أخرى العمل على تطوير منظومة كرة القدم بِشكل يواكب التغيّرات الحالية والمتوقعة مستقبلاً، ولكن ليس بيده سوى الانتظار ومراقبة ما سيحدث بعدما نضج فكره وأدرك جيداً ما كان يحدث في الماضي من سوء إدارة وفساد وما حدث مؤخراً، وربط تراكمات الأزمة بِبعضها قدر الإمكان.

في مثل هذه الحالات، لا ننسى أن نسبة تعافي المريض تتوقّف أيضاً على مدى حسن نيّة الطبيب، فَبعد تفويض  روبرتو فابريتشيني رئيساً لِلإتحاد الإيطالي لِكرة القدم و أليساندرو كوستاكورتا كَنائب لِمفوّض الإتحاد، مطلع فبراير 2018 – بعد أن فشلت الانتخابات في الإعلان عن رئيس جديد، تحديداً بعد شهرين ونصف من تأكد عدم تأهّل إيطاليا لِمونديال روسيا – فابريتشيني وكوستاكورتا ومعهم الخبير القانوني انجيلو كلاريزيا، جاء تعيينهم كاتحاد إصلاحي مؤقت، وتم تعيين روبرتو مانشيني مديراً فنياً بعد ذلك، وقال كوستاكورتا عن دور مانشيني مؤخراً: “منذ وصول روبرتو، كان هناك حماسة متزايدة، جلب معه أنفاس رائعة من الهواء النقي بعد فترة صعبة”.

صديقنا لديه أمل في المسؤولين الحاليين، ولكن لا يمكن القول بأن التفاؤل سائد في إيطاليا؛ بِسبب تراكمات سابقة يعيها جيداً هو وغيره، والأيام كفيلة بِكشف ما تخفيه في طيّاتها لِمستقبل جنّة كرة القدم.

السابق
زيدان: سأعود الى التدريب قريبا
التالي
أندية البريميرليج تتنافس على التعاقد مع نجم بايرليفركوزن

اترك تعليقاً